اسماعيل بن محمد القونوي

121

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فاستقيموا في أفعالكم متوجهين إليه أو فاستووا إليه بالتوحيد ) فاستقيموا في أفعالكم خصه بالأفعال الجوارح لأن قوله : أَنَّما إِلهُكُمْ [ فصلت : 6 ] الخ إشارة إلى الاستقامة في الاعتقاد لأن التوحيد خلاصة المعتقدات ولما كان الاستقامة في العمل متفرعة على التوحيد إذ لا يعتد العمل الصالح بدونه فرع عليه بالفاء فقال فاستقيموا ولما كان الاستقامة متأخرة في الرتبة عن التوحيد قبل إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا بكلمة ثم وسيجيء التفصيل في هذه السورة الكريمة قوله متوجهين إليه إشارة إلى أن تعلق إلى بتضمين معنى التوجه قوله فاستووا إليه إشارة إلى وجه آخر في التعلق أي الاستقامة بمعنى الاستواء وهو يتعدى بإلى لكن الأول أولى وهذا بيان حاصل المعنى . قوله : ( والإخلاص في العمل ) وهو الاستقامة في العمل وإن الاستقامة وهي عدم الاعوجاج مستعار للإخلاص تشبيها للمعقول بالمحسوس في انتفاء الاعوجاج المطلق . قوله : ( مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل ) والواو لا تقتضي الترتيب إذ الاستغفار لا بد وأن يكون مقدما لكن الاستقامة لكونها أهم قدم في الذكر والمراد بالاستغفار الندم على الكفر والمعاصي مع العزم على عدم العود لا بمعنى طلب المغفرة لأنه لا يفيد المشركين إلا أن يقال إن المعنى توبوا إليه واستغفروه أي اطلبوا المغفرة بعد التوبة لأن التوبة ثابتة باقتضاء النص . قوله : ( ثم هددهم على ذلك فقال من فرط جهالتهم واستخفافهم باللّه ) ثم هددهم ثم للتراخي الرتبي على ذلك أي على سوء العقيدة قوله من فرط جهالتهم السبب لشركهم والسبب للويل أي الهلاك الدائم إشراكهم ولهذا أظهر في موضع المضمر تنبيها على علة الحكم ومن في من فرطهم متعلق بالمشركين أي إشراكهم بسبب فرطه جهلهم باللّه تعالى وصفاته . قوله تعالى : [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 7 ] الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 7 ) قوله : ( لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق وذلك من أعظم الرذائل ) لبخلهم لا لعدم غنائهم وعدم إشفاقهم أي وعدم ترحمهم على الخلق ومرجع الإيمان التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه وكلاهما منتفيان فيه وهذا المعنى بناء على أن الزكاة فرضت بمكة من غير تعيين كما في قوله تعالى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] الخ وما فرضت بالمدينة تقدير ما يخرج كما مر توضيحه في سورة الروم . قوله : ( وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع وقيل معناه لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الإيمان والطاعة ) وفيه دليل هذا مذهب الشافعي وبعض العلماء الحنفية ومعنى قوله : وقيل معناه لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الإيمان والطاعة فإن الإيمان باللّه وكتبه ورسله والطاعة لما أمره اللّه به بالامتثال له يطهران النفس ويزكيانها من دنس الشرك والمعاصي ويصقلان مرآتها عن مكدرات تعوقها عن الاتصال بعالم القدس فعلى هذا الوجه لا يكون في الآية دليل على خطاب الكفار بالفروع وتكليفهم بها .